خواجه نصير الدين الطوسي
365
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل
التواترين أقوى من الآخر . والجواب عن أخراهما أنّ بلوغ رواة هذا الخبر إلى حدّ التواتر في جميع الأعصار غير معلوم لنا . وإذا كان كذلك لم يحصل العلم بهذا الخبر . أقول : شبهة البراهمة أنّ الرسل إمّا أن يجيئوا بما يوافق العقول أو بما يخالفها . وما يخالف العقول غير مقبول ، فلا فائدة في مجيئهم بذلك . وما يوافقها فلا حاجة فيه إليهم ، فاذن لا فائدة في مجيئهم . وجوابهم أنّ كلّ ما يوافق العقول لا يخلو إمّا أن تستقلّ العقول بادراكه وإمّا أن لا تستقلّ . والحاجة إليهم في القسم الثاني . وأيضا ما يخالف العقول يقع على قسمين : أحدهما تقتضى العقول نقيضه . والثاني ما لا تقتضيه ولا تقتضى نقيضه . ومن الثاني ما يمكن أن نكون محتاجين إلى معرفته في العاجل أو الاجل ، وهم يعرّفوننا ذلك . وأمّا الشبهة الأولى لليهود ، فجوابها أنّ ظاهر لفظ التوراة الحكم بالتأبيد في قوله : « تمسّكوا بالسبت أبدا » . وذلك لا يناقض انقطاع ذلك الحكم بعد مدّة طويلة ، فانّ التأبيد قد يستعمل فيما يبقى مدّة طويلة فانّ في التوراة : « إنّ اللّه تعالى قال لنوح عليه السّلام عند خروجه من الفلك : إنّى جعلت كلّ دابّة حيّة مأكلا لك ولذرّيتك ، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب أبدا ، ما خلا الدم ، فلا تأكلوه » ، ثمّ حرّم على لسان موسى كثيرا من الحيوان ، وهذا نسخ ظاهر ، وهو عندهم غير ممكن من اللّه تعالى . وفي السفر الثاني من التوراة : « قرّبوا كلّ يوم خروفين : خروف عشية بين المعارب قربانا دائما لاحقا بكم » ، ثمّ انقطع ذلك الدوام عند علمائهم . وقال في موضع : « كلّ عبد خدم ستّ سنين يعرض عليه العتق ، فإن لم يقبل ثقب أذنه ويستخدم أبدا » ، وقال في موضع آخر : « يستخدم خمسين سنة ثمّ ينعتق في تلك السنة » . وأمثال هذه كثيرة ، يقف عليها كلّ منصف يطّلع على كتبهم المنزلة .